صورة د يحيى قطران
العولمة والتعليم العربي – رؤية أولية
بواسطة السبت, 26 أيار 2012, 02:31 - د يحيى قطران
 
<!-- /* Font Definitions */ @font-face {font-family:AL-Mohanad; mso-font-charset:178; mso-generic-font-family:auto; mso-font-pitch:variable; mso-font-signature:8193 0 0 0 64 0;} /* Style Definitions */ p.MsoNormal, li.MsoNormal, div.MsoNormal {mso-style-unhide:no; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; margin:0cm; margin-bottom:.0001pt; text-align:right; mso-pagination:widow-orphan; direction:rtl; unicode-bidi:embed; font-size:12.0pt; font-family:"Times New Roman","serif"; mso-fareast-font-family:"Times New Roman"; mso-bidi-language:HE;} p.MsoFooter, li.MsoFooter, div.MsoFooter {mso-style-unhide:no; mso-style-link:"تذييل الصفحة Char"; margin:0cm; margin-bottom:.0001pt; text-align:right; mso-pagination:widow-orphan; tab-stops:center 207.65pt right 415.3pt; direction:rtl; unicode-bidi:embed; font-size:12.0pt; font-family:"Times New Roman","serif"; mso-fareast-font-family:"Times New Roman"; mso-bidi-language:HE;} span.Char {mso-style-name:"تذييل الصفحة Char"; mso-style-unhide:no; mso-style-locked:yes; mso-style-link:"تذييل الصفحة"; mso-ansi-font-size:12.0pt; mso-bidi-font-size:12.0pt; mso-bidi-language:HE;} .MsoChpDefault {mso-style-type:export-only; mso-default-props:yes; font-size:10.0pt; mso-ansi-font-size:10.0pt; mso-bidi-font-size:10.0pt;} @page WordSection1 {size:595.3pt 841.9pt; margin:70.9pt 87.9pt 70.9pt 87.9pt; mso-header-margin:35.45pt; mso-footer-margin:35.45pt; mso-paper-source:0; mso-gutter-direction:rtl;} div.WordSection1 {page:WordSection1;} -->

العولمة والتعليم العربي – رؤية أولية

مداخلة د. فارس قبلاوي

مدير مدرسة القاسمي الأهلية- باقة الغربية

تسبب العولمة وادواتها الكثير من القلق للأهل وللعاملين في جهاز التربية وهناك امثلة واقعية كثيرة تعكس هذه التخوفات. قبل ايام حدثني أحد الاساتذة عن اضطراره لتمديد وقت الرحلة المدرسية بسبب اصرار الطلاب على شراء الطعام من أحد مطاعم شبكة ماكدونالدز بالذات. وقبل ايام شكا الى احد الاباء من استعمال ابنه المفرط للانترنيت مستخدما إياه في الاساس من اجل الألعاب المحوسبة. وفي أكثر من مناسبة رأينا استخدام الهاتف النقال في الغش في الامتحانات عن طريق الرسائل القصيرة. هذه الامثلة وغيرها الكثير هي مشاهد حية تعكس التحديات التي تفرضها العولمة على العاملين في السلك التعليمي.

كما مع كثير من المصطلحات فليس من السهل تقديم تعريف محدد للعولمة، لكن في هذا السياق سيتم التعامل مع العولمة كمجموعة من القيم، التصرفات، و المنظومات التي يتعدى تأثيرها مجال الآن والهنا الى مجالات اوسع تتعدى حدود الدولة، المجتمع، الحي والحمولة. ظاهرة العولمة ليست جديدة فقد انتقل الناس، البضائع والتقاليد سابقا ولكن وتيرة هذه التنقلات وسرعتها في المائة والخمسين سنة الاخيرة، وفي العقدين الاخيرين بالذات لا تقارن بأي فترة تاريخية سابقة. وظاهرة العولمة ليست غريبة على الديانات عامة وعلى الاسلام خاصة، فقد كانت احدى اهم ميزات الرسول صلى الله عليه وسلم انه كان مبعوثا للناس كافة (الاية – رحمة للعالمين ؟ كافة للناس)

يمكن الحديث عن عدد من المجالات التي تظهر فيها قوة العولمة: المجال الاقتصادي، السياسي، الثقافي، الديني والاجتماعي. وبالطبع يمكن الحديث عن عولمة التعليم. المصطلح الاخير يمكن فهمه على وجهين الاول هو اتاحة فرصة تعلم متساوية لكل فرد في العالم، والوجه الثاني يتعلق بالاتفاق على قيم تربوية عالمية تلزم بها كافة المؤسسات التربوية في العالم. الحديث هنا سيتعلق بالمجال الاخير وسيرتكز الحديث على التعليم العربي في البلاد.

الاحداث التي تم اقتباسهما في البداية تؤكد ان العرب في اسرئيل ليسوا خارج تأثير العولمة. كما انها تؤكد ضرورة التعامل مع تأثيرات العولمة في جهازي التعليم والمنهجي واللامنهجي لسبب بسيط هو أن المكان الاول والامثل لتحضير النشء للتعامل مع العولمة هو المدرسة اساسا، أضافة الى مراكز العمل اللامنهجي ومؤسسات المجتمع المدني. هنا يفترض ان نوضح ان التعامل مع العولمة ليس معناه تحدي العولمة بالضرورة. من العبث والسطحية الافتراض أن التأثيرات الخارجية وان انتقال القيم والمعلومات هو بالضرورة عملية سلبية يجب تحديها او الاجهاز عليها (نحن نتفق مع كومسكي انه يجب ان تكون هناك عدل عالمي مثلا). كما يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن بعض مظاهر العولمة لا يمكن ايقافها إذ اتفق جزئيا مع بنيامين بروبر بأن لبعض مظاهر العولمة القدرة على الانتصار على التقاليد أو البدائل المحلية التي تحاول تحديها. كانت هناك محاولات لتحدي هيمنة كوكا كولا عن طريق انتاج ماركة مكة كولا لكن هذه المحاولة باءت بالفشل. بينما كان هناك في المقابل نجاح لا بأس به لدمية فلة ذات الملامح العربية واللباس العربي التي كانت محاولة لايجاد بديل لدمية باربي التي تعكس المفهوم الغربي للجمال واللباس. كما ان اللباس الاسلامي نفسه شهد تطورات متسارعه ساهمت في تغييرات جوهرية على شكل الحجاب والجلباب لتجعله أكثر جاذبية ويكون اقدر على تحدي انماط اللباس الغربي.

سأضرب هنا مثالين على تأثيرات للعولمة تمس العملية التربوية في الصميم احدها يؤثر فيها سلبا والآخر ايجابا. يعتقد الكثير من الباحثين أن الحافزية للتعلم على مستوى المجتمعات عامة تمر بمرحلة تدهور. هذه الظاهرة لا تخص مجتمعا واحدا بعينه بل تتعداه لتشمل المجتمعات الغربية والشرقية على السواء ويمكن أن يكون احد اسبابها بالطبع الطفرة التكنولوجية التي حدَّت من اهتمام الطلاب بالتعلم . طبعا لا يجوز التعميم هنا إذ أن الأمر قد يختلف من مكان الى آخر. في المقابل نرى أنه وبتأثير العولمة ازدادت نسبة الفتيات المتعلمات بحيث أن هناك بالمعنى الحرفي للكلمة أنثوة لعملية التربية والتعليم برمتها ابتداء من تفوق الذكور على الاناث في كافة المواضيع المدرسية تقريبا (ليس فقط المواضيع الادبية)، الى زيادة نسبة الطالبات الجامعيات على الطلاب الجامعيين، الى انثوة جهاز التربية والتعليم.

مثل هذه التغيرات بايجابياتها وسلبياتها لا تنفك عن العلمية التربوية في الوسط العربي مع اختلافات بسيطة او جوهرية في بعض المجالات. الاناث متفوقات على الذكور في كافة المواضيع تقريبا، لهن حافزية أكبر على التعلم، ويمثلن النسبة الاعلى من المعلمين في المدارس الابتدائية، كما يمثلن نسبة متزايدة من المعلمين في المدارس الاعدادية والثانوية، لكن الحافزية للتعلم هي، بشهادة معظم المهتمين بالعملية التعليمية في انخفاض مستمر. هناك تزايد لظاهرة الغش في الامتحانات والمهمات البيتية والتي تغذيها سهولة الوصول الى المعلومات عن طريق الانترنيت. السمنة لدى طلاب المدارس باتت تشكل تحديا كبيرا بسبب عادات الاكل الغير صحية وملء السوق بالسكاكر والاطعمة الغنية بالدهون. عادات اللباس تسير بخطى متسارعة ومتناغمة مع اللباس الغربي الذي تحول الى لباس عالمي (اثرت حتى على شكل الحجاب والجلباب).

التحديات التي تفرضها العولمة لا تقتصر فقط على الامور المذكورة اعلاه بل تتعداها لتتدخل بالقيم التي على العملية التعليمية غرسها وبمضامين التعليم واساليبه. سأطرح هنا مثالين فقط من موضوعين قريبين علينا. في موضوع التربية الاسلامية نجد أن المعلم والطالب على حد سواء منكشفين من خلال المحطات الفضائية والانترنيت على عوالم دينية ومدارس اسلامية يمثلها مشايخ ودعاة من كافة الاطياف والتي لم تكن موجودة عندنا او لم يسمع عنها احد من قبل، وهناك فتاوى وأفكار وممارسات تخص مثل هذه المدارس تتحدى الموروث الديني او الافكار الدينية السائدة قبل وبعد ظهور الحركة الاسلامية في البلاد والتي يمكن ان تكون هي بذاتها نتاج من نتائج العولمة وتحمل أفكارا تسعى لعولمتها (الفكر السلفي بجميع اطيافه، الانكشاف على الأفكار الشيعية، الفكر الاسلامي الليبرالي – امنه ودود جمال البنا). على صانع القرار هنا ان يقرر ماذا عليه ان يفعل مقابل هذه الاختلافات الكثيرة والتي قد تكون مربكة للطلاب والمعلمين على حد سواء.

المثال الثاني يأتي من اللغة الانجليزية. تحولت اللغة الانجليزية خلال القرن المنصرم وبالذات بعد طفرة الانترنيت الى لغة العلم، التجارةـ، المؤسسات الدولية واصبحت باختصار لغة العالم (lingua franca). لكن امتدادها هذا ادى الى ظهور انواع جديدة من اللهجات الانجليزية مثل اللغة اللهجة الانجليزية الهندية او الباكستانية. كما انها ساهمت في ظهور الانجليزية العالمية. هذا التطور يؤدي الى تغييرات في جوهر تعليم اللغة الانجليزية، مثلا بدلا من التعرف فقط على الادب البريطاني والامريكي اصبحت هناك حاجة للتعرف على الادب المكتوب باللغة الانجليزية، بدلا من الحاجة للتخاطب مع متكلمي الانجليزية كلغة ام هناك حاجة للتخاطب مع متكلمي الانجليزي كلغة عالمية (الصين اليابان الهند). كما ان على المعلم الناجح ان يواكب التطورات الحاصلة في استعمالات اللغة الانجليزية ولا يكفيه ما تعلمه سابقا، يشعر المعلم احيانا بأن طلابه متفوقون عليه والبعض يشعر بشيء من التهديد، خاصة من اولئك الطلاب الذين يشاهدون الافلام الاجنبية ويتصفحون المواقع التي تستخدم فيها اللغة الانجليزية. وهناك اليوم الاناشيد الاسلامية التي تستخدم فيها اللفة الانجليزية – من هنا يجب على المعلم الذي يريد النجاح ان يواكب التطورات المتسارعة التي تمر بها اللغة الانجليزية وعليه ايضا ان يكون محتلنا بالمجالات المتجددة التي تستخدم فيها الانجليزية.

تفرض العولمة ايضا تحديا يمس صميم العملية التربوية ويتعلق بالسؤال الاساسي "ما هو نوع الانسان الذي نحاول بناءه؟". هل هو انسان يحافظ على ويهتم بالتقاليد العربية والاسلامية (او المسيحية)؟ ام هو انسان عالمي يهتم بمشاكل العالم ويحفل بما يدور فيه؟ الاجابة على مثل هذه التساؤلات ليست بسيطة خاصة في مجتمع اقلية لا يملك قرار نفسه وليس له تأثير ذو بال على رؤية التعليم العربي، مضامينه ومناهجه. المشكلة الاكبر ربما هو ان هذه الاسئلة لا تطرح تقريبا ولا يتم التعامل معها بجدية وبعمق. مسيرة المدارس العربية هي بالغالب عفوية والرؤى المطروحة تكون شعارات فضفاضة، غير واضحة ولا تلمس واقع الطالب العربي ومستخدمة للاستهلاك المحلي. – المطلوب هو محاولة تحديد التحديات التي تفرضها العولمة والميزات الايجابية التي قد تحملها للعملية التربوية.

الطالب الذي نسعى الى خلقه يحب أن يكون منتميا الى مجتمعه ويحمل قيما مجتمعية تستند فهم وسطي للاسلام وتمسك بالقيم العربية الاصيلة والتي تتوائم وروح الاسلام الوسطية والقيم الانسانية العاليمة التي تهدف على سبيل المثال الى رفع الظلم اينما كان، ضمان الحريات الشخصية، محاربة الفقر والمحافظة على البيئة. اضافة الى ذلك لا يمكن تجاهل الاثار التي تفرضها العولمة على حياة الافراد في المجتمع العربي وعلى المجتع العربي ككل. لذلك يجب تهيئة الجيل الناشئ للتعامل بحكمة مع كل التغييرات التي تفرضها العولمة والمجالات التي تفتحها بوجه الفرد العربي والمجتمع العربي ككل. 

اعتقد بأن اي خطة لتهيئة الطلاب للتعامل مع العولمة يجب ان تستند الى تدعيم المهارات الحياتية التي يتولى عادة طاقم الاستشارة تنميتها في المدرسة (مثل تنظيم الوقت، وضع اهداف للحياة والتعامل مع الآخرين). احد التحديات التي تفرضها العولمة والفرص التي تفتحها تتمثل في الكم الهائل من المعلومات التي ينكشف اليها المتعلم، لذلك فإن أحد المهارات الاساسية التي يجب تنميتها يتعلق بكيفية التعامل مع هذا الكم والتفريق بين الغث والسمين منه، كما أن سرعة تغير هذه المعلومات والتجديدات التي تفرضها العولمة تتطلب تنمية مهارة التعلم الذاتي – يتعلم الطالب كيف يتعلم. تنمية مثل هذه المهارات يجب أن لا تقتصر على الطالب نفسه بل يجب ان تتعداها الى كل المحيطين به من معلمين واباء وامهات والهدف هو ان يكون التعليم للكل وأن يكون الكل للتعليم. بمعنى ان العملية التعليمية تساهم في تهيئة الكبار للتعامل مع العولمة وأن يساهم الكبار بدورهم في تهيئة الطلاب للتعامل مع تحديات العولمة.

عندما يأتي الحديث عن المجتمع العربي في الداخل فهناك خصوصيات للتعامل مع العولمة. الأول ينبع من كون العرب أقلية مهمشة لا تملك قرار نفسها ولا تملك تخطيطا مستقبليا اوبرامج للتعامل مع كل التحديات المتسارعة حولها. لذلك فأن على الطبقة المثقفة والمتعلمة اضافة الى الفعاليات العربية ان تساهم في ملء هذا الفراغ. كما نني على اعتقاد بأن العولمة بالذات يمكنها أن تمنح الفرصة للأقلية العربية من اجل التغلب على حالةالاقصاء التي تعيشها (اسرائيل مثلا من اكثر الدول التي يوجد فيها فصل جغرافي بين السكان من الاعراق المختلفة). مثل هذه الامور قد تأتي من استخدام ادوات العولمة مثل الاترنيت والمؤسسات المعولمة لخوض التجارة والتبادل المعلوماتي والثقافي (هناك امثلة مشجعة، لكنه فردية ومتباعدة، على رجال اعمال عرب يقومون بترويج بضائعهم والتي تصنع في الصين مثلا الى دول اخرى من دون ضرورة العبور عبر اسرائيل). هذا لا يعني بالضرورة أن يتخلى العرب عن المطالبة بحقوق المواطنة الكاملة.